عبد الرحمن بن ناصر السعدي

465

تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان

الليل والنهار . ففي هذه الآية ، ذكر الأوقات الخمسة ، للصلوات المكتوبات ، وأن الصلوات الموقعة فيها فرائض ، لتخصيصها بالأمر . ومنها أن الوقت ، شرط لصحة الصلاة ، وأنه سبب لوجوبها لأن الله أمر بإقامتها لهذه الأوقات . وأن الظهر والعصر ، يجمعان ، والمغرب والعشاء كذلك ، للعذر ، لأن الله جمع وقتهما جميعا . وفيه : فضيلة صلاة الفجر ، وفضيلة إطالة القراءة فيها ، وأن القراءة فيها ركن ، لأن العبادة إذا سميت ببعض أجزائها ، دل على فرضية ذلك . وقوله : * ( ومن الليل فتهجد به ) * أي : صل به في سائر أوقاته . * ( نافلة لك ) * أي : لتكون صلاة الليل ، زيادة لك في علو القدر ، ورفع الدرجات بخلاف غيرك ، فإنها تكون كفارة لسيئاته . ويحتمل أن يكون المعنى : أن الصلوات الخمس فرض عليك ، وعلى المؤمنين ، بخلاف صلاة الليل ، فإنها فرض عليك بالخصوص ، ولكرامتك على الله أن جعل وظيفتك أكثر من غيرك ، وليكترثوا بك ، وتنال بذلك ، المقام المحمود ، وهو المقام الذي يحمدك فيه ، الأولون والآخرون ، مقام الشفاعة العظمى ، حين يتشفع الخلائق بآدم ، ثم بنوح ، ثم إبراهيم ، ثم موسى ، ثم عيسى . وكلهم يعتذر ويتأخر عنها ، حتى يستشفعوا بسيد ولد آدم ، ليرحمهم الله ، من هول الموقف ، وكربه . فيشفع عند ربه ، فيشفعه ، ويقيمه مقاما ، يغطبه به ، الأولون والآخرون . وتكون له المنة على جميع الخلق . وقوله : * ( وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق ) * أي : اجعل مداخلي ومخارجي كلها في طاعتك ، وعلى مرضاتك ، وذلك لتضمنها الإخلاص ، وموافقتها الأمر . * ( واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا ) * أي : حجة ظاهرة ، وبرهانا قاطعا على جميع ما آتيه ، وما أذره . وهذا أعلى حالة ، ينزلها الله العبد ، أن تكون أحواله كلها خيرا ، ومقربة له إلى ربه ، وأن يكون له على كل حالة من أحواله دليل ظاهر ، وذلك متضمن للعلم النافع ، والعمل الصالح ، للعلم بالمسائل والدلائل . وقوله : * ( وقل جاء الحق وزهق الباطل ) * والحق هو : ما أوحاه الله إلى رسوله محمد صلى الله عليه وسلم ، فأمره الله أن يقول ويعلن ، وقد جاء الحق الذي لا يقوم له شيء ، وزهق الباطل أي : اضمحل وتلاشى . * ( إن الباطل كان زهوقا ) * أي : هذا وصف الباطل ، ولكنه قد يكون له صولة ورواج ، إذا لم يقابله الحق ، فعند مجيء الحق ، يضمحل الباطل ، فلا يبقى له حراك . ولهذا لا يروج الباطل ، إلا في الأزمان والأمكنة الخالية من العلم بآيات الله وبيناته . * ( وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا ) * وقوله : * ( وننزل من القرآن ) * إلى * ( إلا خسارا ) * . أي : فالقرآن مشتمل على الشفاء والرحمة . وليس ذلك لكل أحد ، وإنما ذلك للمؤمنين به ، المصدقين بآياته ، العاملين به . وأما الظالمون بعدم التصديق به ، أو عدم العمل به ، فلا تزيدهم آياته إلا خسارا . إذ به تقوم عليهم الحجة . فالشفاء الذي تضمنه القرآن ، عام لشفاء القلوب ، من الشبه ، والجهالة ، والآراء الفاسدة والانحراف السئ ، والقصود الرديئة . فإنه مشتمل على العلم اليقين ، الذي تزول به كل شبهة وجهالة ، والوعظ والتذكير ، الذي يزول به كل شهوة ، تخالف أمر الله . ولشفاء الأبدان من آلامها وأسقامها . وأما الرحمة ، فإن ما فيه من الأسباب والوسائل التي يحث عليها ، متى فعلها العبد فاز بالرحمة والسعادة الأبدية ، والثواب العاجل والآجل . * ( وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسه الشر كان يئوسا ) * هذه طبيعة الإنسان ، من حيث هو إلا من هداه الله . فإن الإنسان عند إنعام الله عليه يفرح بالنعم ، ويبطر بها ، ويعرض ، وينأى بجانبه عن ربه ، فلا يشكره ، ولا يذكره . * ( وإذا مسه الشر ) * كالمرض ونحوه * ( كان يؤوسا ) * من الخير ، قد قطع من ربه رجاءه ، وظن أن ما هو فيه ، دائم أبدا . وأما من هداه الله ، فإنه عند النعم يخضع لربه ، ويشكر نعمته ، وعند الضراء ، يتضرع ، ويرجو من الله عافيته ، وإزالة ما يقع فيه ، وبذلك يخف عليه البلاء . * ( قل كل يعمل على شاكلته فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا ) * أي : * ( قل كل ) * من الناس * ( يعمل على شاكلته ) * أي : على ما يليق به من الأحوال . إن كانوا من الصفوة الأبرار ، لم يشاكلهم إلا عملهم لرب العالمين . ومن كانوا من غيرهم من المخذولين لم يناسبهم إلا العمل للمخلوقين ، ولم